محمد أبو زهرة
36
المعجزة الكبرى القرآن
ثانيهما : أننا نقول أن ذلك كان قبل العرضة الأخيرة ، وفي العرضة الأخيرة وضعت السور في مواضعها ، وهذا ما اختاره القرطبي وغيره ، فقد قال : « أما ما روى من اختلاف مصحف أبىّ وعلى وعبد اللّه بن مسعود فإنما كان قبل العرض الأخير ، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رتب لهم ترتيب السور بعد ، إن لم يكن فعل ذلك من قبل » . وننتهى من هذا إلى أن ترتيب السور كترتيب الآيات كان بوحي من اللّه العلى الحكيم . قراءات القرآن 21 - يقرأ القرآن الكريم بقراءات مختلفة : مختلفة في حركات أواخر الكلمات أو في بناء الكلمة ، أو في الوقوف في أواخر الكلمات ، أو في الهمزات قطعا ووصلا ، كهمزة الأرض ، فهي تقرأ موصولة ومقطوعة ، وهكذا ، وإنه يجب التنبيه في هذا إلى أمرين : أولهما : أن قراءات القرآن متواترة ليست هي الأحرف السبعة كما ذكرنا ، بل إن الرأي القويم الذي انتهى إليه الباحثون كابن جرير « 1 » الطبري وغيره إلى أن القراءات كلها تنتهى إلى حرف واحد ، وهو الذي كتب به المصحف المحفوظ عند أم المؤمنين حفصة ، وهو الذي جمعه عثمان بن عفان رضى اللّه عنه ، وألزم به الأقاليم الإسلامية ، وهو مطابق تمام المطابقة للمصحف الذي كتب في عهد أبى بكر وعمر رضى اللّه تعالى عنهما ، وهو الذي حفظ في بيت أم المؤمنين حفصة رضى اللّه تعالى عنها وعن أبيها الفاروق . الأمر الثاني : أن هذه القراءات تنتهى في نهايتها إلى أنها من ترتيل القرآن الذي رتله اللّه سبحانه وتعالى ، وتفضل بنسبته إلى ذاته الكريمة العلية فقال تبارك وتعالى : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [ الفرقان : 32 ] فهي الأصوات التي أثرت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا كان فيها موسيقى ، إن صح لنا أن نقول عنها هذا التعبير ، فهي الأصوات القرآنية التي اتبعناها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فهي في مدها وغنها ، وإهمازها ، وإهمال همزاتها ، وإمالتها وإقامتها ، أصوات القرآن المأثورة ، إذ إن القراءة سنة متبعة ، وإن اختلاف القراءات الصحيحة وكلها متواترة عن الصحابة الذين أقرأهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأعلمهم طرق الأداء التي تعلمها عن ربه ، كما يشير إلى ذلك ما تلونا من قبل ، وهو قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) [ القيامة : 16 - 19 ] .
--> ( 1 ) توفى سنة 310 ه .